ملتقى الكلمة الحرة

منتدى أدبي ثقافي جامع يهتم بحرية الفكر وإثرائه
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 من أيام رمضان في دولة الموحدين بالأندلس..

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد العربي
Admin
avatar

المساهمات : 926
تاريخ التسجيل : 27/04/2017
العمر : 53
الموقع : ملتقى الكلمة الحرة

مُساهمةموضوع: من أيام رمضان في دولة الموحدين بالأندلس..   الثلاثاء مايو 30, 2017 12:51 am

من أيام رمضان في دولة الموحدين بالأندلس..
مقال / محمود ثروت أبو الفضل
يمتلئ التاريخ الإسلامي على امتداد أيامه بكثير من الانتصارات والفتوحات والبطولات والأيام المشهودة، ويقع شهر رمضان في بؤرة تلك الأحداث والأيام التاريخية وعلى رأسها؛ حيث وقعت فيه العديد من تلك المشاهد.. وفي هذه الصفحات نواصل معكم مطالعة أحداث شهر رمضان على امتداد أيام ممالك ودول الخلافة الإسلامية الزاهرة.
في هذه الحلقة نطالع معكم أحداث شهر رمضان في أيام دولة الموحدين بالأندلس؛ والتي حكمت قرابة قرن ونصف قرن (515 - 663 هـ = 1121- 1269م)، وامتد سلطانها على كامل المغرب الإسلامي وأجزاء كبيرة من الأندلس؛ وكان الزعيم الروحي لهذه الحركة "محمد بن تومرت"، وهو زعيم بربري ادعى أنه المهدي عام 515 هـ وبدأ في حشد أنصار إلى جانبه، داعيًا الناس إلى العودة إلى الدين وترك المنكرات التي شاعت في أواخر عهد المرابطين، وقام بالإنكار على رأس الدولة المرابطية "علي بن يوسف" علنًا أثناء خطبته بالمسجد الجامع بمراكش، فما كان من الأمير "علي بن يوسف" إلا أن نفاه إلى أغمات، وهناك استفحل أمره وبايعه تلاميذه على السمع والطاعة، وكان من أخلصهم له "عبدالمؤمن بن علي" أول حاكم من حكام دولة الموحدين، وبدأ ابن تومرت في التمرد على المرابطين، ودعا أتباعه لحمل السلاح، وخاض ضد المرابطين حتى موته 9 معارك حاسمة كان لها أكبر الأثر في إضعاف دولة المرابطين وزيادة جراحها على أرض الأندلس، وبوفاة ابن تومرت عام 524هـ تولى رئاسة الموحدين بعده "عبدالمؤمن بن علي"، الذي قضى على دولة المرابطين، ويعد عام 541 هجرية هو تاريخ بداية دولة الموحدين؛ حيث قام الموحدون بقيادة زعيمهم عبدالمؤمن بالاستيلاء على مراكش بعد حصار دام تسعة أشهر، وتمكن الموحدون من قتل أبي إسحاق إبراهيم بن تاشفين بن علي بن يوسف، آخر أمراء المرابطين، وفى سنة (555هـ = 1160م) عبر "عبدالمؤمن بن علي" إلى الأندلس؛ لضم ما بقي بها إلى دولته، واستقر في إشبيلية، ونظم الدفاع عن البلاد، وأقام على قواعد الأندلس رجالاً من آل بيته، وتمكن من توحيد معظم ما بقي من الأندلس تحت رايته، ولم يخرج عن طاعته إلا بنو غانية أمراء دانية، ومحمد بن سعد بن مردنيش رئيس مرسية الذي انضمت بلاده إلى الموحدين بعد ذلك، وبدأ جهاد المسلمين ضد النصارى، واتخذ ميدانًا له غربي الأندلس بعد أن كان مجاله شرقي الأندلس زمن المرابطين.
وقد حكم الموحدون ما يزيد عن قرن من الزمان، تناوب على الحكم في دولتهم ثلاثة عشر خليفة، دانت لهم مساحات واسعة من بلاد المغرب والأندلس، وقد خاضوا معارك قاسية مع نصارى الأندلس، كان أكبرها موقعة "العقاب"، التي كانت هزيمة قاسية للمسلمين؛ ترتب عليها سقوط الكثير من المدن الإسلامية، وانفصال الكثير من المدن والإمارات عن دولة الموحدين.
ومن جملة أحداثها الرمضانية:
وفاة محمد بن تومرت الأب الروحي للموحدين وولاية عبدالمؤمن بن علي (رمضان 524 هـ):
توفي محمد بن تومرت الذي ادعى المهدوية في عهد المرابطين في شهر رمضان سنة 524 هـ (أغسطس سنة 1130 م)، ويورد أبو بكر الصنهاجي أنه توفي يوم الأربعاء أو يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان سنة 524 هـ، بينما رواية عبدالملك بن صاحب الصلاة مؤرخ الدولة الموحدية تورد أنه توفي يوم الأربعاء الثالث عشر من رمضان سنة 524 هـ.
ومحمد بن تومرت يعد صاحب اللبنة الأولى في بناء دولة الموحدين، والذي ألقى على عاتقه تأليف القبائل وترغيبها في الاتحاد ضد دولة المرابطين بالمغرب والأندلس، ومقاومتها بالسلاح، وكانت دعوته في البداية إصلاحية أشبه بأعمال الحسبة حيث كان يتولى الإنكار على المنكرات في الشوارع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم سرعان ما أعلن أنه المهدي المنتظر في 515 هـ، وبدأ في تأليب الناس على المرابطين، وتعاهد معه جملةٌ من أصحابه على السمع والطاعة، كان من ألصقهم به "عبدالمؤمن بن علي" الذي أوصى له بالخلافة من بعده.
وقد خاص ابن تومرت مع المرابطين تسعة معارك كبيرة، بل وحاول دخول مراكش معقل المرابطين في إحداها، ولكن حملته لقيت هزيمة ساحقة سنة (524 هـ = 1130م) في معركة سميت بمعركة البحيرة، على مقربة من أسوار مراكش، وقُتل معظم الجيش الموحدي، ولم ينج من القتل سوى عدد قليل، تسلل تحت جنح الظلام إلى تينملل، ولما وصلت أنباء الهزيمة إلى ابن تومرت الذي كان مريضًا، ساءت صحته وخاب أمله، ثم لم يلبث أن توفي بعدها بقليل.
وعقب وفاة محمد بن تومرت، قام "عبدالمؤمن بن علي" بإعلان ذلك النبأ للناس، وعندئذٍ تقدم إليه أربعة من الصحب، اثنان من الجماعة، وهما: عمر بن عبدالله الصنهاجي المعروف بعمر أصناك، وأبو إبراهيم إسماعيل، واثنان من أهل الشورى الخمسين، هما: عبدالرحمن بن زكو، ومحمد بن محمد، وبايعوه على ما بايعوا عليه محمد بن تومرت المهدي، ثم تبعهم سائر الناس حتى دخل الليل، واستمرت البيعة ثلاثة أيام متواليات.
موقعة وهران ومصرع تاشفين بن علي آخر ملوك المرابطين بالمغرب الأقصى (رمضان 539 هـ):
قام "عبدالمؤمن بن علي" فور توليته خلافة الموحدين بمواصلة حروبه مع المرابطين، وقد بدأ عبدالمؤمن عهده بخروجه سنة 526 هـ من "تينملل" في القوات الموحدية، واستيلائه على تازاجورت وقصبة تادلة وعلى درعة وحصن تاسغيموت، وانضمت إليه كثير من القبائل التي كانت تحت طاعة المرابطين، حتى إن الفلاّكي الأندلسي، وهو من قادة المرابطين، انضم إلى الموحدين.
وفي الأعوام التالية استولى على سائر بلاد السوس، ثم سار لغزو بني بيغز، محاربًا في كل تلك المعارك أمراء المرابطين ومنتصرًا عليهم.
لبثت المعارك التي تضطرم بين المرابطين والموحدين، منذ وفاة المهدي ابن تومرت زهاء عشرة أعوام، منحصرة في مناطق الأطلس، جنوبي مراكش، في وادي درعة وبلاد السوس، وفي بلاد حاحة من أحواز تينملل، وقد كان النصر حليف الموحدين في معظم هذه المعارك.
وفي خلال ذلك الوقت تولى "تاشفين" إمارة المرابطين خلفًا لوالده "علي بن يوسف"، وواجه أفول دولة المرابطين وتقلص ممالكها على يد غزوات "عبدالمؤمن بن علي" الممتدة المتواصلة، وفي عام 539 هـ (1145 م) قرر عبدالمؤمن بن علي سير وزيره أبي حفص إلى "وهران" التي اعتصم بها تاشفين بنهاية الأمر، وحاول تاشفين صد الهجوم الموحدي، لكن انهزمت قواته، ثم ما لبث أن حاصره الجيش الموحدي، فحاول الهرب من أحد الحصون بفرسه فسقط من حالق، فمات من فوره؛ لتنتهي دولة المرابطين بمقتله.
وكان مصرع تاشفين في ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 539 هـ (22 فبراير 1145م)، وذلك بعد أن قضى في مدافعة الموحدين زهاء خمسة أعوام متوالية، لم يأوِ فيها إلى مكان، ولم ينعم بهدنة، ولم يتصل بأهل ولا ولد.
وقد أورد ابن الأبار عن مصرع تاشفين رواية خلاصتها أن تاشفين بعد أن وجه ابنه إبراهيم ولي عهده إلى مراكش خوفًا عليه في شعبان من تلك السنة، سار إلى وهران، ولجأ إلى حصن شرع في بنيانه، فقصده الموحدون، وأضرموا النار حوله، فلما رأى ذلك ودَّع أصحابه ليلاً، واقتحم والنار محتدمة بباب الحصن، فوُجد من الغد ميتًا لا أثر فيه لضربة ولا طعنة، ويقال: إن فرسه صرعه، وتتفق هذه الرواية مع الروايات الأخرى في أن مصرع تاشفين وقع في ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان سنة 539 هـ.
هذا، ويصف لنا ابن الخطيب مصرع "تاشفين بن علي" في تلك العبارات الشعرية:
"واستقبل تاشفين مدافعة جيش أمير الموحدين، أبي محمد عبدالمؤمن بن علي، خليفة مهديهم، ومقاومة أمر قضى الله ظهوره، والدفاع عن ملك بلغ مداه وتمت أيامه، كتاب الله عليه، فالتأث سعده، وفل جده، ولم تقم له قائمة، إلى أن هزم، وتبدد عسكره، ولجأ إلى وهران، فأحاط به الجيش، وأخذه الحصار، قالوا: فكان في تدبيره أن يلحق ببعض السواحل، وقد تقدم به وصول ابن ميمون قائد أسطوله لرفعه إلى الأندلس، فخرج ليلاً في نفر من خاصته، فرَّقهم الليل، وأضلهم الروع، وبددتهم الأوعار، فمنهم من قتل، ومنهم من لحق بالقطائع البحرية، وتردى بتاشفين فرسه من بعض الحافات، ووجد ميتًا في الغد، وذلك ليلة سبع وعشرين لرمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وصلَبه الموحدون، واستولوا على الأمر بعده، والبقاء لله تعالى".
وعلى أثر مصرع تاشفين، اقتحم الشيخ أبو حفص بقواته وهران، وأثخن في المرابطين حتى فني معظمهم، والتجأت منهم جماعة إلى الحصن، فحاصرهم الموحدون وقطعوا عنهم الماء حتى أذعنوا إلى التسليم بعد ثلاثة أيام، ومع ذلك فقد قتلهم الموحدون جميعًا كبارًا وصغارًا، وكان ذلك في يوم عيد الفطر من سنة 539 هـ.
وفاة الفقيه ابن الورد التميمي (رمضان 540 هـ):
من أشهر الفقهاء المحدثين والحفاظ في عصره، وهو أبو القاسم أحمد بن عمر بن يوسف بن ورد التميمي من أهل ألمرية، وكان متمكنًا أيضًا من الأدب والنحو والتاريخ، ومتقنًا لعلم الأصول والتفسير، انتهت إليه وإلى زميله القاضي ابن العربي رياسة الفقه المالكي في عصرهما، ولي قضاء غرناطة، فظهر فيه بكفايته وعدله وحسن سيرته؛ قال الملاحي‏:‏ كان من جلة الفقهاء المحدثين‏.‏ قال ابن الزبير‏:‏ كان موفور الحظ من الأدب والنحو والتاريخ، متقدمًا في علم الأصول والتفسير، حافظًا متقنًا.
وتوفي بألمرية في رمضان سنة 540 هـ (1146 م).
عودة "عبدالمؤمن بن علي" إلى مراكش بعد جولة بين القبائل (رمضان 552 هـ):
بعد أن انتهى "عبدالمؤمن بن علي" من فرض سيطرته ونفوذه على بلاد الأندلس وإخضاع القبائل المتمردة، وعقد البيعة بولاية العهد لولده محمد، وتولية أولاده الآخرين حكم البلاد، أخذ في النظر في شؤون الأندلس، وتوجيه البعوث إلى حمايتها وضبط أمورها.
ونجد أن "عبدالمؤمن" في عام (552 هـ) يقرر القيام بجولة بنفسه بين القبائل لتوطيد حكمه، وتأليف قلوبهم، فلبث العام في الطواف بنواحي الأطلس وبلاد السوس، ومعه طائفة من أشياخ الموحدين وطلبتهم وحفاظهم، وكان يرمي بهذا الطواف إلى الاتصال بالقبائل المنضوية تحت لواء الموحدين، فاجتمع خلال طوافه بأبناء جدميوة، ومصمودة، وجنفيسة، ورجراجة، وحاحة، كل قبيلة منهم في مكانها، وأمر بأن تلقى عليهم المواعظ والتعريف بمقاصد التوحيد؛ تذكيرًا لهم، وتوطيدًا لعقائدهم، وفرق فيهم الصلات.
ثم وفد عليه جملة من قبائل جزولة، طالبين الأمان، ومؤكدين ولاءهم وإيمانهم، وصادق توبتهم، فحذروا من العود إلى الخلاف، وشملهم بالعفو والرحمة، وسار الخليفة بعد ذلك إلى تارودانت واجتمع فيها بقبائل السوس، فأكدوا له عهد الولاء والطاعة، ولما وصل إلى آنسا، وهي طرف بلاد السوس، اجتمعت حوله قبائل تينملل وهنتانة.
ثم سار عبدالمؤمن إلى تينملل ليختتم جولته بزيارة قبر "المهدي" محمد بن تومرت، وقصد إليها، "والنفوس قد حفزها الشوق إلى مقامه، وسارع بها الحرص إلى معالمه المقدسة وأعلامه"، وذلك حسبما يقول لنا في رسالته المستفيضة التي أمر بكتبها عن رحلته. وهنالك تقاطرت عليه وفود القبائل من سائر تلك الأقطار، وازدحمت بهم الوديان والربى، وشملوا جميعًا بالرعاية والإكرام، "وأفهموا في أثناء ذلك من مقاصد الحق المبين، وعقائد الدين المتين، ما شرح صدورهم، وضاعف سرورهم"، وتأكد ولاؤهم، وتمسكهم بدعوة التوحيد.
وانتهت رحلة الخليفة، بعد أن تحققت مقاصدها، في العمل على إحياء الدعوة الموحدية في مهادها، وتذكير مختلف القبائل بما يجب عليهم نحوها من الولاء والإخلاص، وعاد عبدالمؤمن إلى مراكش في أواخر رمضان سنة 552 هـ، وصدرت عن رحلته بتاريخ الثامن من شوال رسالة مستفيضة، من إنشاء كاتبه أبي عقيل بن عطية.
وفاة زعيم الزجالين ابن قزمان (رمضان 555 هـ):
هو محمد بن عيسى بن عبدالملك بن عيسى الزُّهري القرطبيُّ، أبو بكر، المعروف بابن قُزْمان، شاعر وزجال من أشهر الزجَّالين بالأندلس، وإليه يرجع فن الزجل الذي بلغ فيه شأوًا كبيرًا، ونشأ ابن قزمان في بيت سيادة من بيوت قرطبة، وأسرته كان لها حضور ثقافي وأدبي وسياسي في البيئة الأندلسية في القرن الخامس الهجري.
ويعد ابن قزمان زعيم الزجالين، خاصة في ديوانه المشهور: "إصابة الأغراض، في ذكر الأعراض"، الذي وثقه الكثير من المستشرقين والدارسين المسلمين، وقد أشاد بشاعرية ابن قزمان الزجلية الدارسون القدماء أمثال: ابن خلدون، والمقري، وابن سعيد، وابن الأبار، وصفي الدين الحلي.
كما يظهر زجله الشعري تشابه الشعر الأندلسي والشعر الأوربي على مستوى البناء والوزن والتقفية، وتراوح زجله بين العامية والفصحى، في طبيعة خاصة تميز بها فن الزجل في الأندلس.
قال ابن خلدون:
"ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس وأخذ به الجمهور؛ لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيها إعرابًا، واستحدثوا فنًّا سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم، فجاؤوا فيه بالغرائب، واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة، وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية: أبو بكر بن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس، ولكن لم تظهر حلاها، ولا انسكبت معانيها، واشتهرت رشاقتها، إلا في زمانه، وكان لعهد الملثمين "أول القرن الثامن"، وهو إمام الزجالين على الإطلاق" ا. هـ.
وتوفي ابن قزمان بقرطبة في رمضان سنة 555 هـ (1160 م).
ومن أزجاله:
قدر الله وساق الخناس
إلى وادي على عيون الناس
ولعبنا طول النهار بالكاس
وجاء الليل وامتد مثل القتيل
وفاة المحدث ابن اشكبندر (رمضان 558 هـ):
هو أبو جعفر أحمد بن مسعود بن إبراهيم بن يحيى القيسي المعروف بابن اشكبندر، أصله من سرقسطة بالثغر الأعلى، وولد بشاطبة، ودرس بها، ونبغ في الحديث والرواية، وكان من أكثر حفاظ عصره علمًا بأسماء الرجال، ومواليدهم ووفَيَاتهم، حتى شبه في ذلك بالقاضي عياض، تولى خطة الشورى بشاطبة، وحدث وأخذ عنه بعض علماء عصره، وكان ورعًا منقبضًا زاهدًا، وتوفي بالمهدية وهو في طريقه إلى الحج في رمضان سنة 558 هـ.
سير أبي حفص وزير "عبدالمؤمن بن علي" لقتال ابن مردنيش (رمضان 560 هـ):
كان من أكبر حركات التمرد التي واجهت دولة الموحدين هي حركة ابن مردنيش شرقي الأندلس، والذي قاوم التمدد الموحدي، وقام بمقارعتهم المعارك حتى امتد نفوذه إلى مدينة جيان، ولم يستطع الموحدون الانتصار عليه بشكل حاسم، وفي "وادي لك" التقى الفريقان في شعبان سنة 560 هـ (1165 م)، وعانى الجيش الموحدي من ضراوة هجوم ابن مردنيش عليهم، مما اضطر الشيخين أبا سعيد وأبا عبدالله إلى إرسال أنباء المعركة إلى مراكش، ووصفَا ما لقياه في القتال من هول ومشقة، وطلبا العون والإنجاد، فاهتم لذلك السيد أبو حفص وزير الموحدين وجهز في الحال جيشًا من الموحدين والعرب، وخرج من مراكش في قواته ومعه أخوه السيد أبو سعيد عثمان والي قرطبة، في أوائل شهر رمضان، وأسرع في السير وعبر البحر، ووصل بجموعه إلى إشبيلية، وهنالك اجتمع بزعماء الموحدين، وقر الرأي على محاربة ابن مردنيش في عقر أراضيه قبل أن يبادرهم بمهاجمة قرطبة.
وقد أسفرت تلك الحملة عن دحر ابن مردنيش وهروبه وسير الجيش الموحدي إلى معظم حصون أصحاب ابن مردنيش، فطلبوا الأمان وأعلنت الطاعة، وكان آخر ما استولى عليه الموحدون في هذه السنة حصن بلج أو بلش، وهو من أهم معاقل ابن مردنيش في تلك المنطقة، فسلم قائده العزفي وأصحابه الحصن، ووضعت به حامية موحدية.
إعلان الخليفة "يوسف بن عبدالمؤمن" علامة كتابية خاصة بالخلفاء (رمضان 561 هـ):
في عام 561 هـ قرر الخليفة أبو يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن أن يتخذ العلامة الخلافية ونصها: "والحمد لله وحده"، وأن يكتبها بخط يده على المراسيم والأوامر، فتنفذ بمقتضاها.
وصدرت أول رسالة ممهورة بالعلامة الخلافية في الثالث من شهر رمضان مدبجة بقلم الوزير الكاتب أبي الحسن بن عياش، وموجهة إلى أخي الخليفة السيد أبي سعيد وأصحابه الطلبة بقرطبة، على أن تنفذ منها نسخ إلى مختلف البلاد، وفيها بعد الديباجة الموحدية المعتادة، يوصي الخليفة بأن تجري الأحكام وفقًا للعدل، وأن تُرفع إليه أحكام الإعدام، فلا يقضي الموحدون في الدماء من تلقاء أنفسهم، ولا يريقوها ببادٍ أو رأي من آرائهم، إلا بعد أن ترفع النازلة إلى الخليفة، وتشرح وتقيد بالشهود والعدول، "وتكتب أقوال المظلومين وحججهم، وإقرارهم واعترافهم، وحجج الظالمين في مقالاتهم، واستظهارهم في بياناتهم، معطي كل ذي حق حقه، موفي كل قائل قوله"، وأن يدقق في الجرائم التي دون القتل؛ من ضرب أو جرح أو سرقة أو قتل خطأ، وكذلك في سائر المعاملات والأموال واستحقاقها، وفي الرقاب وعتقها أو استرقاقها، وفي المناكحات فلا يُبت في أمرها إلا بعد المطالعة، وتعرُّف وجه الحق فيها، والاستناد إلى النصوص والأحكام الصحيحة، وأنه يجب التوقف ومراعاة أنه لا يقدم على إراقة الدماء، واستباحة الأموال، واستحلال الحرمات، إلا بوجه صحيح.
ويختتم الخليفة رسالته بحثّ الموحدين على العمل بما جاء فيها، وأنه يجب عليهم في جميع الأحوال: تقوى الله في السر والجهر، وخيفته في الباطن والظاهر، والجري على سنته، وأنه يجب إذاعة هذا الكتاب، والتشهير به، وجمع الناس لقراءته، وتعريف الحاضر والغائب بما فيه، وأن ترسل منه نسخ إلى سائر الجهات؛ ليعمل الناس بما جاء "في هذا الأمر العزيز؛ من إقامة العدل، وبسط الدعة والأمن، وإقامة أمر الله على وجهه المتعين، وسننه الواضح البين".
ولما وصلت رسالة الخليفة إلى أخيه السيد أبي سعيد بقرطبة، وجهت منها نسخ إلى سائر بلاد الأندلس التي تحت نظر الموحدين، وقرئت على الناس في الجوامع.
توبة ابن هَمُشك وسيره إلى قرطبة ودخوله في طاعة الموحدين (رمضان 564 هـ):
كان ابن هَمُشك يسيطر على قطاع جيّان وبياسة وأبدة شرقي الأندلس، نائبًا عن صهره ابن مردنيش، وكان يناصب - هو وصهره - الدولة الموحدية العداء، وفشلت دولة الموحدين في القضاء على نفوذهما بين القبائل التي كانت تدين لهما، وما لبث أن وقع عداء بين ابن همشك وابن مردنيش، وقامت بينهما بعض الصراعات، وهنا أخذ ابن مردنيش يرهق ابن همشك بغاراته، ويؤلب عليه قواده وجنوده، وابن همشك يقاوم ما استطاع.
حتى قرر ابن هَمُشك أن يعلن انضمامه للموحدين؛ نكاية في ابن مردنيش وتخلصًا من نفوذه، فكتب إلى الشيخ أبي حفص بقرطبة رسالة يعلن فيها توبته واعتناقه لمذهب التوحيد، ويعرض تمكين الموحدين من بلاده، وهو ما يعني الخضوع السياسي لسلطان الدولة الموحدية، ثم شفع ابن همشك رسالته بالسفر إلى قرطبة، وذلك في رمضان سنة 564 هـ (يونيه 1169 م)، فاستُقبل من واليها السيد أبي إسحاق ومن الشيخ أبي حفص وأكابر الموحدين بترحاب ومودة، وأعلن ابن همشك أنه "قد عاهد الله تعالى بالتزام الأمر العزيز المطاع، والدخول في حكم التوحيد"، ثم كتب إلى الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن يسجل توبته ودخوله في الطاعة، ويلتمس العفو، فرد الخليفة بحسن القبول، وأمر بتقريبه وإكرامه، واتصلت القواعد والأراضي التي كانت بيد ابن همشك بأراضي الموحدين في أواسط الأندلس.
غزوة يوسف بن عبدالمؤمن، ودخول مدينة طريف في رمضان 566 هـ:
قرر الخليفة أبو يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن إعداد غزوة كبيرة يسير على رأسها؛ لإخضاع جميع حركات التمرد في جزيرة الأندلس ضد الموحدين، إلى جانب محاربة النصارى، وكان ذلك في رجب من عام 566 هـ.
ووصل الخليفة في قواته الجرارة إلى قصر مصمودة غربي ثغر سبتة، وبدأ عبور الجند إلى شبه الجزيرة، عن طريق ثغر طريف، في مستهل رمضان من سنة 566 هـ (8 مايو سنة 1171 م)، واستمر عبورها أكثر من أسبوعين، وفي اليوم السابع والعشرين من رمضان عبر الخليفة في خاصته، واستقبله في طريف زعماء الأندلس وأكابرها من سائر القواعد وقدموا له فروض الطاعة والولاء، ثم تحرك إلى إشبيلية، ودخلها في يوم الجمعة الثاني عشر من شهر شوال (18 يونيه) واستقبله الأشياخ والناس استقبالاً حافلاً.
وكانت نتائج هذه الغزوة كبيرة من الناحية المعنوية، حيث توفي خلالها ابن مردنيش العدو اللدود لدولة الموحدين، وانتهت مملكة الشرق بموته، وفي مستهل رمضان سنة 567 هـ، قَدِم هلال بن مردنيش وأكابر الشرق إلى إشبيلية، وقدموا خضوعهم وطاعتهم للخليفة.
بناء المسجد الجامع بإشبيلية (رمضان 567 هـ):
يعد المسجد الجامع في القصبة من أعظم منشآت الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور بإشبيلية، ويطلق عليه الجامع الأعظم، وما زالت حتى الآن بعض البقايا منه، إلى جانب كنيسة إشبيلية العظمى، التي أقيمت فوق أنقاضه.
وكان البدء بإنشائه واختطاط موقعه في شهر رمضان سنة 567 هـ، حيث هدمت العديد من الدور بجانبه لتوسيع نطاقه، واجتمع بإشبيلية للقيام بأعمال الإنشاء العرفاءُ والبناؤون من أهل إشبيلية، ومن سائر قواعد الأندلس، ومن أهل العدوة ولا سيما مراكش وفاس، واجتمع معهم أمهر العمال من سائر الحرف المطلوبة.
وكان الموحدون حينما افتتحوا إشبيلية قد أنشؤوا لهم بقصبتها جامعًا صغيرًا يؤدون فيه شعائرهم، ولكنه أضحى يضيق بهم، بعد أن تكاثروا وكثرت وفودهم، ومن جهة أخرى، فإن المدينة ذاتها كانت في أشد الحاجة إلى مسجد جامع يتفق مع ضخامة عمرانها، وأهميتها كمقر للحكومة الموحدية بالأندلس.
يقول ابن صاحب الصلاة - وقد كان من سكان إشبيلية، وكان شاهد عيان لإقامة المسجد الجامع -: إن أمير المسلمين الخليفة أبا يعقوب "قد حاز الذخر والأجر في بناء هذا المسجد الجامع الكبير توسعة للناس، فأسسه من الماء بالآجر والجيار والحصى والأحجار، على أعظم البناء والاقتدار، وأسس أرجله المعقودة بطاقات بلاطابية تحت الأرض، أطول مما فوق الأرض، وجمع عليه الفعلة بكثرة مما لا يقدر عليه ملك من ملوك الأندلس قبله، فأعلى بنيته، وصقل صفحته بالإتقان لتشييده وتوثقه، وأنفذ أمره العالي ببنيانه في رمضان من سنة سبع وستين وخمسمائة المؤرخة، لم يرفع عنه البناء قط في فصل من فصول السنين مدة إقامته بإشبيلية، إلى أن كمل بالتسقيف، وجاء في أبهى النظر الشريف، أعجز في بنيانه من تقدمه، وتفنن في ميزابه وخبره ورخمه مقدمه، قارب جامع قرطبة في السعة، وليس في الأندلس جامع على نده، وسعته وعدد بلاطاته".
ولمـا سقطت إشبيلية في يد "فرناندو الثالث" ملك قشتالة، تحول المسجد الجامع إلى كنيسة ماريا، وظل المسجد قائمًا على تلك الحال دون أن تصيب عمارته أضرار جسيمة، ومع ذلك فقد أقيمت به عدة مصليات، منها المصلى الملكي، وتلاحقت عليه بعد ذلك المصائب على أثر الزلزال، فاضطر المجلس الكنسي بإشبيلية إلـى اتخاذ قرار بهدمه وبناء كاتدرائية بقرطبة مكانه، وبالفعل هدم الجامع، ووضع حجر الأساس في البناء الجديد عام 804هـ/ 1402م، وقـد ظـل بهـو الجـامع - المعروف ببهو البرتقال - محتفظًا بسلامته إلى حد كبير حتى تهدمت مجنبته الغربية عام 1026هـ/ 1618م.
احتلال الموحدين قفصة (رمضان 576 هـ):
في عام 575 هـ وقعت ثورة بمدينة قفصة الواقعة جنوبي القيروان على مشارف الصحراء، وكان يتولى حكمَ قفصة والٍ موحدي منذ استيلاء "عبدالمؤمن بن علي" عليها عام 554 هـ، وكان والي قفصة الموحدي حينما وقعت الثورة هو "عمران بن موسى" الصنهاجي، وكان سيئ الولاية ظالمًا، ووقع الاضطراب بالمدينة، فبعث أهلها إلى بجاية في دعوة علي بن عبدالعزيز بن الرند المعروف بالطويل، فقدم إليهم، واحتدمت الثوة وقتل الناس الوالي "عمران بن موسى" واستولى ابن الرند على المدينة، وكان يشجعه في ثورته، ويحرض العرب للانضمام إليه: قريبه القائد علي بن المنتصر من بجاية.
فلما نمت هذه الأنباء إلى الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن، اعتزم السير بنفسه إلى إفريقية، فخرج في قواته من مراكش في الخامس عشر من شوال سنة 575 هـ (مارس سنة 1180 م) واحتفل في الطريق بعيد الأضحى، وجعل ولده السيد أبا يوسف يعقوب على مقدمة الجيش، ثم سار الخليفة من بجاية، فلما قرب من قفصة، بادر أشياخ العرب من رياح إلى المثول لديه، وتأكيد ولائهم وطاعتهم، وضرب الخليفة الحصار حول قفصة وضربها بالمجانيق، حتى اضطر علي بن الرند إلى الإذعان والتسليم، واحتل الموحدون قفصة، وذلك في رمضان سنة 576 هـ (فبراير 1181 م)، وعقد الخليفة بولاية إفريقية والزاب لأخيه السيد علي أبي الحسين، وبولاية بجاية لأخيه السيد أبي موسى.
وفاة المؤرخ ابن بشكوال القرطبي (رمضان 578 هـ):
هو العلامة المؤرخ أبو القاسم خلف بن عبدالملك بن مسعود بن بشكوال القرطبي، ولد بقرطبة سنة 494 هـ، ودرس بها على أشهر أساتذة العصر، وكان حافظًا، شغوفًا بالأخبار والسير، ولا سيما أخبار الأندلس، محققًا واسع الرواية، حجة في تحقيقها، كتب عدة مؤلفات، أشهرها كتابه "الصلة" الذي جعله تتمة لكتاب ابن الفرضي في "تاريخ العلماء والرواة بالأندلس"، والذي يضم أكثر من ألف وخمسمائة ترجمة لعلماء الأندلس ورواتها، ولا سيما علماء قرطبة، وقد فرغ من تأليفه بقرطبة في سنة 534 هـ، ويعتبر كتاب "الصلة" إلى يومنا من أنفس وأوثق مصادر التاريخ الأندلسي، وكتب ابن بشكوال غير "الصلة" عدة مؤلفات أخرى، منها كتاب "الغوامض والمبهمات"، وكتاب "الفوائد المنتخبة والحكايات المستغربة"، وكتاب "المحاسن والفضائل"، وكتاب "المستغيثين بالله تعالى عند المهمات والحاجات"، وغير ذلك من مصنفات بلغت نحو الخمسين مؤلفًا، وتوفي ابن بشكوال بقرطبة بعد حياة علمية حافلة، في رمضان سنة 578 هـ (أواخر سنة 1182 م).
رسالة الخليفة يعقوب بن يوسف المنصور بمنع المسكرات (رمضان 580 هـ):
فور تولي الخليفة يعقوب بن يوسف المنصور الخلافة عقب وفاة والده يوسف بن عبدالمؤمن، بادر بمطاردة مظاهر الفساد التي بدت بالحاضرة الموحدية على أثر عودته، وكان الموحدون قد انغمسوا في ضروب اللهو والمنكرات، فأمر بإراقة الخمور في كل مكان، ونفذت الأوامر بذلك إلى سائر الجهات، وأنذر المخالفون بعقاب الموت، وطاردت الشرطة المتهتكين والمُجان، وألقت القبض على من وجد من المغنين، فتفرقوا في كل مكان، واختفى القيان، وزهد الناس في مجالسهن، وبعث الخليفة بهذه المناسبة إلى إشبيلية، حاضرة الأندلس الموحدية، برسالة إلى الطلبة والموحدين والأشياخ مؤرخة في عقب رمضان سنة 580 هـ يأمر فيها بمطاردة شراب "الرُّب"، وهو مسكر ذائع، ومنع بيعه وإغلاق حوانيته، وإراقة ما يوجد منه، وتوقيع أشد العقاب على من يقتنيه، وبأن تنفذ هذه الرسالة إلى كافة الجهات للعمل بما فيها، وأمر الخليفة كذلك بمنع الثياب الحريرية الغالية، ومنع النساء من لبس الثياب الرقيقة الباذخة، والاقتصار على البسيط منها، وأخرج ما كان في المخازن من ضروب ثياب الحرير والديباج المذهب، فبيعت منه مقادير وفيرة بأثمان باهظة، وهكذا هبت على العاصمة الموحدية ريح من الاقتصار والتواضع والتقشف، واختفى كثير من ضروب الفساد التي كانت ذائعة بها.
وعني الخليفة في الوقت نفسه بالعمل على بسط العدل وتأييده، ورد المظالم التي وقعت أيام أبيه، ومطاردة الظلم والعمال الظلَمة.
عودة الخليفة المنصور إلى مراكش بعد انتصاره على البرتغاليين (رمضان 587 هـ):
خرج الخليفة يعقوب بن يوسف المنصور من إشبيلية في عام 587 هـ، قاصدًا استرداد مدينة "شلب" من أيدي البرتغاليين، الذين استولوا على المدينة منذ عامين (585 هـ)، واستطاع الخليفة المنصور بسط سيطرته على المدينة وردها لقبضة الموحدين مرة أخرى، وقدم المنصور على ولايتها ابن وزير، وبعدها عاد مرة أخرى إلى إشبيلية، التي وصل إليها في الرابع من شهر رجب سنة 587 هـ، ثم قرر مغادرتها ثانية لمراكش.
وفي غرة رمضان، جلس بحدائق البحيرة خارج إشبيلية، لتلقي تحيات المودعين، ولما تمت مراسيم الوداع، غادر إشبيلية، ميممًا شطر العدوة، وعبر البحر في الخامس عشر من رمضان، واستمر في سيره حتى وصل إلى حضرة مراكش، وما كاد يستقر بها حتى استقبله الشعراء كالعادة بقصائد التحية والتهنئة، فمن ذلك ما قاله شاعره الجراوي:
إياب الإمام حياة الأمم
توالَى السرور به وانتظم
وجاد به الأرض صوب الحيا
وجلى الظلام به بدرُ تَم
فتوح عظام جناها الزمان
لذي همم دونهن الهمم
تجديد الخليفة يوسف المستنصر معاهدة الصلح مع ملكة قشتالة (رمضان 618 هـ):
في عام 618 هـ (1220 م)، قدم سفير قشتالة إلى مراكش مرة أخرى؛ ليسعى في تجديد معاهدات المهادنة والسلم بين أهل قشتالة والموحدين، وكانت المفاوضات الأولى قد تمت بين القشتاليين، وولاة الأندلس من السادة الموحدين، وتم تجديد المهادنة بين الفريقين، وفقًا لتوجيه الخليفة المستنصر.
ثم كتب وزير المستنصر، أبو يحيى بن أبي زكريا، كتابًا إلى "ملكة قشتالة بنت ملك قشتالة وطليطلة"، من إنشاء الكاتب ابن عيّاش، بما أبرم بينه وبين رسولها من عقد السلم.
وكانت ملكة قشتالة المشار إليها بالكتاب هي الملكة برنجيلا بنت ألفونسو الثامن ملك قشتالة، ومطلقة ألفونسو التاسع ملك ليون، وكانت يومئذٍ تتولى الوصاية على ابنها الصبي فرناندو، الذي أعلن ملكًا على قشتالة في سنة 1217 م، وكانت بذلك تعتبر هي الملكة الأصيلة في نظر الموحدين.
وأورد المؤرخ ابن عذارى نبذة من الكتاب المشار إليه على النحو التالي:
"وقد انقلب إليكم رسول منكم، بما تعرفونه في السلم المنعقد، النير شهابه، المتقد بين الموحدين وبينكم، بالمخاطبة الكريمة، التي حملها إليكم، وحمل نحوكم من الإتحاف ما يبلغكم على يديه، الذي هو عنوان المخالصة، وثمرة المواصلة، وكل ما يكون من هذا بيننا وبينكم، ينبغي أن يكون متقبلا، وعلى أحسن المتأولات متأولا، إن شاء الله، وأنتم بحول الله تقفون عند حدود السلم، وتحافظون عليها، وتعاقبون كل من هم بإذاية المسلمين، فإن الوفاء شعار الملوك، وعليهم فيه يجب السلوك. وكتب في سادس رمضان سنة ثمان عشرة وستمائة".
خروج ابن هود على سلطان الموحدين وبيعته للعباسيين (رمضان 625 هـ):
بنو هود سلالة عربية من ملوك الطوائف في الأندلس، حكموا في سرقسطة ما بين 1039-1110 م، ودالت دولتهم عام 1146 م، ولم يعد يسمع لهم ذكر حتى ظهر من جديد رجل من أتباعهم يدعى "محمد بن يوسف ابن هود"، قام بالثورة ضد الموحدين في أواخر حكمهم.
وقد سعى ابن هود لتخليص الأندلس من الموحدين، ومن النصارى أيضًا، وحكم قواعد شرقي الأندلس، ودخلت في طاعته جيان وقرطبة وماردة وبطليوس، وانتزع غرناطة من المأمون الموحدي سنة 628 هـ، وحكم ثائر آخر يدعى "ابن الأحمر" قواعد أخرى في الجنوب.
وقد بويع ابن هود بخلافة الأندلس - خروجًا على الموحدين - بمدينة "مرسية" غرة رمضان سنة 625 هـ (4 أغسطس 1228 م) وتسمى بأمير المسلمين، ومعز الدين، ودعا للخليفة العباسي المستنصر بالله، وكتب إليه ببغداد، فبعث إليهبالخلع والمراسيم، وسماه مجاهد الدين، سيف أمير المؤمنين، عبدالله المتوكل على الله، وهكذا كانت علامة ابن هود: "توكلت على الله الواحد القهار".
قال أبو الوليد بن الحاج: لما قضى الله تعالى بهلاك الموحدين بالأندلس، وذلك أنهم ابتلوا بالصلاح في الظاهر، والأعمال الفاسدة في الباطن، فأبغضهم الناس بغضًا شديدًا، وتربصوا بهم الدوائر، إلى أن نجم ابن هود في سنة خمس وعشرين وستمائة بشرق الأندلس فقام الناس كلهم بدعوته، وتعصبوا معه، وقاتلوا الموحدين في البلدان، وحصروهم في القلاع، وقهروهم، وقتلوا فيهم، ونصر على الموحدين، وخلصت الأندلس كلها له، وفرح الناس به فرحًا عظيمًا، فلما تمهد أمره، أنشأ غزوة للفرنج على مدينة ماردة بغرب الأندلس، واستدعى الناس من الأقطار، فانتدب الخلق له بجد واجتهاد وخلوص نية المرتزقة والمطوعة.
واجتمع عليه أهل الأندلس كلهم، ولم يبق إلا من حبسه العذر، فدخل بهم إلى الإفرنج، فلما تراءى الجمعان وقعت الهزيمة على المسلمين أقبح هزيمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وكانت تلك الأرض مديسة بماء وعزق تسمرت فيها الخيل إلى آباطها، وهلك الخلق، وأتبعهم الفرنج بالقتل والأسر ولم يبق إلا القليل، ورجع ابن هود في أسوأ حال إلى إشبيلية، فنعوذ به من سوء المنقلب، فلم تبق بقعة من الأندلس إلا وفيها البكاء والصياح العظيم والحزن الطويل، فكانت إحدى هلكات الأندلس، فمقت الناس ابن هود، وصاروا يسمونه "المحروم".
هزيمة قوات يحيى الناصر على يد عمه المأمون وتقلده أمور الخلافة (رمضان 627 هـ):
بعد أن تولى يحيى بن محمد الناصر الحكم وتلقبه بالمعتصم بالله، رفض عمه "أبو العلاء إدريس بن يعقوب المنصور" الاعتراف ببيعته؛ وذلك سخطًا على مقتل أخيه الخليفة العادل، وقام أهل الأندلس بمبايعة أبي العلاء المأمون، وانقسمت دولة الموحدين على نفسها: دولة في الأندلس، ودولة في المغرب.
وفي شهر رمضان من هذا العام (627 هـ) خرج المأمون من مراكش ليرد هجومًا جديدًا كان يدبره يحيى بن الناصر وأنصاره من الموحدين، والتقى الفريقان "بفحص واونزرت" على مقربة من مراكش، فوقعت الهزيمة بيحيى وأصحابه، وقتل منهم عدد ضخم، وفرَّ يحيى إلى بلاد درعة وسجلماسة، وعلق المأمون من رؤوس أصحاب يحيى الناصر على أسوار مراكش نحو أربعة آلاف، وكان الوقت قيظًا، فانتشرت روائحها الكريهة في المدينة، وضج الناس من ذلك، ورفع الأمر إلى المأمون، فكان جوابه "أنه يوجد ثمة مجانين، وتلك الرؤوس لهم أحراز لا يصلح حالهم إلا بها، وإنها لعطرة عند المحبين، كريهة عند المبغضين".
وقد استتبت الأمور للمأمون عقب هذه المعركة، ودان له الجميع بالطاعة والخلافة.
استيلاء النصارى على إشبيلية (رمضان 646 هـ):
مع ضعف الدولة الموحدية في آخر خلفائها، برز زعماء أقوياء على الساحة تولوا الجهاد ضد النصارى، مغالبين في بعض الأحيان سلطان الموحدين على ممالكهم التي دانت لهم بالطاعة، ومن هؤلاء "محمد بن يوسف بن الأحمر" مؤسس دولة بني نصر بالأندلس، وهو الذي أعقب ابن هود في خلافته في حكم شرقي الأندلس، حيث استولى على ألمرية عام 635م، ثم دخل غرناطة بدعوة من أهلها وجعل بها مقر حكومته عقب الحرب الأهلية التي فرقت الأندلس.
وبالرغم من توطد أمر ابن الأحمر، وتمكن سلطانه في الأقاليم الوسطى والجنوبية، فإنه كان يشعر بأنه ما زالت تنقصه صفة الرياسة الشرعية، ولما توفي ابن هود وبسط ابن الأحمر سلطانه على الإمارات التي كانت تحت يده، اتجهت أنظاره إلى الانضواء تحت لواء الدولة الموحدية، وذلك بالرغم من انهيار سلطانها بالأندلس، وأعلن بيعته للخليفة الرشيد حتى وفاته، ثم انتقل بعدها إلى بيعة الدولة الحفصية بإفريقية.
وقد أدرك ابن الأحمر منذ البداية خطر النصارى على مملكته، فبادر بمهادنة "فرناندو الثالث" ملك قشتالة، وعقد معه صلحًا كان من بنوده دفع بني الأحمر جزيةً سنوية لفرناندو، وأن يعاونه في حروبه ضد أعدائه.
واستطاع ملك قشتالة بهذا الصلح من جانبه، أن ينصرف إلى فتوحاته في أراضي الأندلس التي لم يشملها هذا الصلح، وهي الواقعة في غربي مملكة غرناطة، وكانت أعظمها حاضرة إشبيلية قاعدة غربي الأندلس كله، وقد استولى عليها فرناندو الثالث في 27 رمضان سنة 646 هـ (23 نوفمبر 1248 م) بعد حصار طويل، وكان أشد ما في حوادث هذا الحصار إيلامًا للنفس، هو أن ابن الأحمر اضطر أن يشترك فيه مع القشتاليين بقوة من فرسانه؛ تنفيذًا للعهد الذي قطعه على نفسه في معاهدة الصلح مع ملك قشتالة، وفي الرواية الإسلامية ما يدل على أنه كان في كل عام يسعى إلى الاجتماع بملك قشتالة، وفقًا لنصوص هذه المعاهدة؛ باعتباره من الأمراء الخاضعين لطاعته.
وهكذا سقطت إشبيلية، حاضرة الأندلس العظمى، بعد أن حكمها المسلمون منذ افتتحها موسى بن نصير في سنة 712 م، خمسة قرون وثلث قرن، وحكمها الموحدون زهاء قرن، وكانت قاعدة حكومتهم بالأندلس، فجاء سقوطها - بعد سقوط قرطبة، وقواعد الشرق - تصفية نهائية لسلطانهم في شبه الجزيرة الأندلسية.
وفاة سعيد بن حكم والي منرقة في رمضان سنة 680 هـ:
سعيد بن حكم الأموي، وهو من أهل طبيرة من غربي الأندلس، كان رجلاً طموحًا، وتجول في شبابه في أنحاء الأندلس وإفريقية، ثم دخل منرقة في سنة 624 هـ، واشتغل بها مشرفًا على شؤون الجباية والأجناد، ثم ظفر برياستها لما اضطربت الأحوال، وتقلص سلطان الموحدين، فوليها وضبط شؤونها بهمة وبراعة، وذلك منذ سنة 631 هـ، وكان عالمًا محدثًا، ونحويًّا أديبًا؛ يجيد النثر، وينظم الشعر، مع مشاركة طيبة في علم الطب، يجتذب إليه العلماء من كل صوب، ويفتدي منهم من يقع في أسر العدو، وكان ورعًا حريصًا على تنفيذ أحكام الشريعة، وكان يلقب بالرئيس، فصلحت أحوال الجزيرة في عهده، وعمها الرخاء والأمن.
ولما استولى الملك خايمي على جزيرة ميورقة، رأى أبو عثمان أن يبادر بالتفاهم مع النصارى، فاعترف بطاعة الملك خايمي، على أن يؤدي له جزية سنوية، وأن يسلم إليه حصن تيوداديلا، وذلك على ألا يدخل الجزيرة أحد من النصارى، وهكذا ترك أبو عثمان وشأنه، فلبث على رياسته للجزيرة زهاء نصف قرن آخر، وضبط شؤونها بحزم، وسار في الناس أعدل سيرة، واستقام أمر الجزيرة على يديه، وهابه جيرانه من النصارى، وكان يقصده الناس والعلماء والطلاب من سائر أنحاء الأندلس والمغرب، ويتردد عليه التجار، فيشمل الجميع ببره ورفقه وأنسه، وكان شغوفًا بجمع الكتب، حتى اجتمع له منها ما لا نظير له كثرةً وجودة وندرة، ومن شعره قوله في الحض على الجود:
لا تمنع المعروف يومًا معرضا ومعرضا
كلاهما من حقه فيه له أن يعرضا
هذا تنزه فاستحق على نزاهته الرضا
والآخر استحيا من التصريح فيه فعرضا
وتوفي سعيد بن حكم في رمضان سنة 680 هـ (1281 م)، فخلفه في حكم الجزيرة ولده أبو عمر حكم بن سعيد.
خروج الخليفة المرتضى لقتال بني مرين (رمضان 649 هـ):
في عام 648 هـ، وفد على الخليفة عمر المرتضى، زعيمان من زعماء بني مرين، المنشقين على الأمير أبي يحيى عبدالحق، هما: أبو عمران موسى بن زيان المونكاسي، وأخوه علي بن زيان، اللذان شجعاه على النهوض لقتال بني مرين، وبنو مرين هم سلالة حكمت بلاد المغرب الأقصى من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر ميلادي، وتوسعت حدود دولتهم خارج نطاق المغرب في عهد السلطان أبي سعيد الأول، ويوسف بن يعقوب، وخاصة أيام أبي الحسن المريني، الذي ضَم لدولته المغرب الأوسط والأدنى.
فجمع المرتضى قواته، وأرسل يطلب من قواده الاستعانة بفرق من المرتزقة النصارى، فجمعوا له عددًا منهم، وفي سنة 649 هـ (1251 م) غادر المرتضى مراكش، في قوات الموحدين والعرب، ومعه علي بن زيان وأخوه، قاصدًا محاربة بني مرين، ومنعهم من عبور وادي أبي رقراق، إلى أرض تامسنا، وكان خروجه في رمضان من هذه السنة، فسار أولاً إلى تينملل، حيث قام بزيارة قبر محمد بن تومرت، وقبور أجداده، ثم عاد إلى طريق مراكش، واتجه صوب سلا، وأقام المرتضى أيامًا في سلا، يتعرف أخبار بني مرين، ثم خرج من سلا في حشود وافرة، قاصدًا إلى مكان بني مرين، وكان الأمير أبو يحيى، حينما علم بخروج المرتضى إلى قتاله، قد جمع أشياخ بني مرين وحلفاءهم، وبحث الأمر معهم، فرأوا أن يجنحوا إلى المسالمة، فكتب أبو يحيى إلى المرتضى، يطلب إليه السلم والمهادنة، وكان المرتضى يميل إلى عقد السلم، ولكن وزراءه عارضوا في ذلك، وبينوا له خطورة مهادنة بني مرين، وإغفال أمرهم، فجنح المرتضى إلى الحرب، ونزل بمكان يسمى أمن ملولنين (أو أميلولين) من أحواز مكناسة، ولكن سرعان ما انسحب المرتضى من أمام بني مرين، وكانت هزيمة دون قتال، وكانت دليلاً جديدًا على ما أصاب قوى الموحدين المعنوية من التخاذل والانهيار.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/73283/#ixzz4iRJSw8L8
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alkalema-com.yoo7.com
 
من أيام رمضان في دولة الموحدين بالأندلس..
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الكلمة الحرة :: الفئة الأولى :: الفئة الثانية :: المنتدى الإسلامي-
انتقل الى: